أنا .. وسنة الهدامة !
كتبت منى الشافعي
*************
ذات ليلة غاضبة باردة من ليالي الشتاء ، كان المطر يهطل على المدينة الصغيرة عاتياً جارفاً ، والريح مجنونة تصرخ في المكان ، كما الليلة هذه ، وكان الزمان لحظتها غير هذا الزمان .
كنت طفلة أهرب من الخوف الى أحضان أمي الدافئة ، أشعر بالدفء والأمان ، أنام ملء جفوني .
في الصباح لا تزال الريح تزمجر والأمطار تهطل بشدة . في بيتنا الصغير يضعف حائط الطين المسكين فيتهاوى نصفه أمام عينيّ الصغيرتين ، وأنا أحمل حقيبتي المدرسية ، ذلك الحائط الذي صمد طوال الليل معانداً تلك العاصفة الهدامة . أرتجف فترتعش يد أمي التي لا زالت تزرر معطفي وتلف الشال الصغير حول جدائلي الطويلة . أرتعب أكثر وأنا أحدق في عمق الحائط المتكوم في طرف حوشنا الصغير . تضمني أمي إلى صدرها ، تطبع قبلتها الدافئة على وجنتي ، تودعني ، مدرستي قريبة من البيت ، إنني اعشقها . أكره الغياب عنها حتى لو يوم واحد ،أتوجه بإصرار وأسير بحذر .
تزداد العاصفة غضباً ، أزداد ارتجافاً تحت معطفي القصير ، أشعر بالبرد يقرص أطرافي ، وقشعريرة ملعونة تداعب جسدي الطري ، أتوجع . أصعد ببصري نحو السماء ، أنقل رسالة متوسلة . تهدأ العاصفة ، أواصل السير .
فجأة ! في لحظة يتبدل كل شيء حولي ، يتشقق حائط آخر أمام عينيّ المذهولتين ، بلحظة يتهاوى ، أصرخ ، أجري مبتعدة ، يفاجئني ذلك الدكان الصغير المتكوم في الطريق ، وبابه الخشبي مغروس في الطين مائل إلى الأمام ، جدار آخر يتمايل ، يتكوم ، تضيع صرختي ، أواصل الركض .
المسجد الذي طالما كنت أحتمي بحوائطه من شمس القيظ اللاهبة ، تكومت تلك الحوائط واختلطت ببعضها أمام عينيّ الدامعتين ، المرتعبتين ، لا يزال صراخي يختلط بدوامات الريح العاتية ، وبكائي يختلط بصوت الرعد فيضيع .
لعبت الفوضى بجدائلي ، انزلق الشال عن رقبتي ، اختطفته الريح .. مزقته .
****
الذكرى سنة الهدامة التي مرت على الكويت في شتاء عام 1954.
0 Comments:
Post a Comment
<< Home