برنسيس إيكاروس

Wednesday, April 02, 2025

 

   أنا .. وسنة الهدامة !

   كتبت منى الشافعي

 *************

      ذات ليلة غاضبة باردة من ليالي الشتاء ، كان المطر يهطل على المدينة الصغيرة عاتياً جارفاً ، والريح مجنونة تصرخ في المكان ، كما الليلة هذه ، وكان الزمان لحظتها غير هذا الزمان . 

         كنت طفلة أهرب من الخوف الى أحضان أمي الدافئة ، أشعر بالدفء والأمان ، أنام ملء جفوني . 

في الصباح لا تزال الريح تزمجر والأمطار تهطل بشدة .    في بيتنا الصغير يضعف حائط الطين المسكين فيتهاوى نصفه أمام عينيّ الصغيرتين ، وأنا أحمل حقيبتي المدرسية ، ذلك الحائط الذي صمد طوال الليل معانداً تلك العاصفة الهدامة . أرتجف فترتعش يد أمي التي لا زالت تزرر معطفي وتلف الشال الصغير حول جدائلي الطويلة . أرتعب أكثر وأنا أحدق في عمق الحائط المتكوم في طرف حوشنا الصغير . تضمني أمي إلى صدرها ، تطبع قبلتها الدافئة على وجنتي ، تودعني ، مدرستي قريبة من البيت ، إنني اعشقها . أكره الغياب عنها حتى لو يوم واحد ،أتوجه بإصرار وأسير بحذر .  

       تزداد العاصفة غضباً ، أزداد ارتجافاً تحت معطفي القصير ، أشعر بالبرد يقرص أطرافي ، وقشعريرة ملعونة تداعب جسدي الطري ، أتوجع . أصعد ببصري نحو السماء ، أنقل رسالة متوسلة . تهدأ العاصفة ، أواصل السير . 

      فجأة ! في لحظة يتبدل كل شيء حولي ، يتشقق حائط آخر أمام عينيّ المذهولتين ،  بلحظة يتهاوى ، أصرخ ، أجري مبتعدة ، يفاجئني ذلك الدكان الصغير المتكوم في الطريق ، وبابه الخشبي مغروس في الطين مائل إلى الأمام ، جدار آخر يتمايل ، يتكوم ، تضيع صرختي ، أواصل الركض . 

المسجد الذي طالما كنت أحتمي بحوائطه من شمس القيظ اللاهبة ،  تكومت تلك الحوائط واختلطت ببعضها أمام عينيّ الدامعتين ، المرتعبتين ، لا يزال صراخي يختلط بدوامات الريح العاتية ، وبكائي يختلط بصوت الرعد فيضيع . 

لعبت الفوضى بجدائلي ، انزلق الشال عن رقبتي ، اختطفته الريح .. مزقته .

****

الذكرى سنة الهدامة التي مرت على الكويت في شتاء عام 1954.


0 Comments:

Post a Comment

<< Home