برنسيس إيكاروس

Thursday, April 03, 2025

  

 أعتقد أنني أنا المجنونة!

  ************* 

كتبت منى الشافعي 

***********

          منذ عدة سنوات سافرت إلى استراليا ، وإليكم ما حدث معي تحديداً في مدينة غولد كوست ، وهذه حكايتي .

       فمنذ أن دخلت بوابة تلك المدينة الترفيهية ، شدّ انتباهي ذلك الجسر الاسمنتي المعلق الطويل ، الذي ينتهي بعمود اسمنتي أيضاً، يرتفع إلى الأعلى كثيراً. 

ولقد أفزعتني تلك العربة الصغيرة ، التي تنطلق من أول الجسر وبها عدد من السياح ، بحيث تنطلق كانطلاق الرصاصة وسرعتها ، حتى تصل الى العمود فتتسلقه ، لتعود بطريقة عكسية إلى نقطة انطلاقتها بالسرعة نفسها .

وكلما اقتربت من الجسر سمعت بوضوح صراخ الركاب ، وكنت أضحك وأردد: 

                (مَنْ المجنون الذي يركب مثل هذه اللعبة الخطرة) .

      وهكذا بعد أن قضينا نصف نهار ، متجولين في تلك المدينة الترفيهية الواسعة ، المزدحمة بالألعاب المختلفة وأمور التسلية الكثيرة ، والمقاهي والمحال التجارية الصغيرة . 

      وبغفلة مني وجدت نفسي أمام بوابة إحدى الألعاب ، لم أتبينها بوضوح ، واعتقدت أنها مركبة تسير في طريق مائي لتريك الحياة البحرية في تلك المدينة ، ولأنني عاشقة لمنظر المياه ، فلم أجد نفسي إلا وأنا داخل تلك المركبة ، حدث كل شيء بلحظة خاطفة ،

حتى أن زوجي / بو حسام  ، الذي كان برفقتي لم ينبهني ، وبأقل من ثانيتين ، نزل الطوق الحديدي على جسدي ، وبدأت المركبة بالانطلاق السريع .

       وهنا كانت صرختي الأولى ، ولكن بعد فوات الأوان ، واستمرت الصرخات مني ومن الآخرين ، وبعد أقل من ثلاث دقائق زمن رحلة الرعب والخوف ، وحين نزلت من المركبة المرعبة ، نظرت إلى زوجي وقلت له بصوت مرتجف ، ووجه فارقته حمرته: 

         (أعتقد أنني أنا المجنونة)!!!

  

للشباب لون آخر! 

**********

كتبت منى الشافعي 

**********

                جذبتني .. شامخة ، قوية ، عالية ، نضرة ، كأنها ، فتاة شابة جميلة ، اقتربت منها ، حيتني بنسمة هواء ، خرجت ناعمة ، سلسة ، رطبة ، من بين أغصانها الخضراء ، أنعشتني ، إنه أوكسجين الحياة ، هديتها اليومية للوجود ، بما فيه من حياة .

         جلست تحتها أستظل بفيئها ، وأحتمي بظلها الوارف ، من حرارة الشمس المشرقة في ظهر ذلك اليوم الصيفي .

   تأملتها للحظات ، ثم سألتها : 

                                      - أيتها الشابة النضرة ، كم فات من عمرك ؟

        

اهتزت أغصانها ، أجابت : 

                                      - احزري أنتِ ، كم فات من عمري ؟

    قلت بثقة  : 

                    - جمالك ونضارة أوراقك ، وإشراقة أغصانك ، ولونك  الأخضر المشرق ، الذي أعشق ، يبدو أن ما فات من عمرك  إلا القليل القليل ، فأنت في نظري شابة ، ولكن شموخك ، وطولك ومتانة أغصانك ، ربما تجاوزت قرنين ، أو أكثر بقليل ، وربما زرعك أول مواطن أمريكي ، يعني منذ ثلاثة  قرون تقريباً . 

        ابتسمتْ ، سقطت ورقة خضراء جميلة من بين أغصانها النضرة ، استقرت في حضني . 

         رددت : 

                 - عزيزتي ، الحقيقة ، زرعني أول هندي أحمر ولد هنا ، إنني عجوز ، تجاوزت المئات من السنين الفائتة ، ولم أزل معتزة بشموخي ونضارتي .

          شهقتْ : 

                    - ياااااه ، اذن أنت معمّرة ، وتتحلين بكل هذا الجمال ، الرحمة لمن زرعك ، وأهداك لهذا العالم ، الذي يعيش ، ليتنفس من رئتيك الكبيرتين ، ووجودك الجميل ، وفيئك الظليل  .

     قبل أن أتركها ، وأمشي ، ملأت رئتيّ بشهيق طويل من نسيمها العليل !

  

مطعم توليز / أوكلاند / أمريكا !

*******************

كتبت منى الشافعي

***********

              قبل عشر سنوات ، تناولت وجبة الغداء الخفيفة في مطعم ، توليز / ( Tolly’s ).

في مدينة أوكلاند التاريخية / ولاية أوريغون الأمريكية ، وقد استمد شهرته من موقعه في تلك المدينة ، ومن طراز مبناه وديكورات المطعم وأثاثه ، فقد بني على الطراز الفكتوري .

زبائن المطعم من جميع مدن دوكلز كاونتي / ( Douglas county).

     قبل يومين تناولت الغداء في المطعم نفسه ، وجلست في الركن الذي أفضله ، كما أنني التقطت بعص الصور للمكان ، ولصحبتي ، ولي طبعاً بحيث كانت لقطاتي في المكان الذي أحبه  في هذا المطعم .

      كم كانت صدفة حلوة غير متوقعة ،  أن أجدني وقد اخترت الوقوف على الدرج / السلم نفسه وبنفس الحركة  ، حتى ذوقي الأمريكي بالملابس ، أعتقد لم يتغير ، خلال عقد ، وكأنني أصبحت احاكي الأمريكان في ذوقي (بس في مدنهم طبعاً ).

        بالمناسبة ، ( اللقطتان بينها عشر سنوات بالضبط  )

وأنا كل ثلاث سنوات أغير الآيفون ، فأخذت وقت طويل أبحث في الآبفونات القديمة حتى وجدت الأولى .

(الصورة التي على اليمين قبل عشر سنوات )!

  الكراسي الخالية !

***********

كتبت منى الشافعي 

***********

             هذه الكراسي الخالية/ الفارغة تبدو باردة بلا حياة ، ها هي تحتل أجمل الأماكن الساحرة المبهجة في البساتين ، المزارع ، الحدائق العامة والخاصة ، وبعض الأماكن الترفيهية ، وحول شواطئ البحيرات والأنهار  .

         أين عشاقها ، أين محبينها ، أين من يروي لنا قصصاً وحكاياتاً اجتماعية مفرحة ، أو حتى حزينة عن مرتاديها ؟

           لا أحد .. يملأ هذا الفراغ اللافت والجاذب ، المتناثر هنا وهناك .

        بصراحة يزعجني منظرها ، أتخيلها حين أقترب منها ، وكأنها تناديني بصمت متوسلة ، تشكو الوحدة .

       ياااه .. الوحدة قاسية ، تزعج حتى الجماد !!!

ها أنا ، أحن عليها ، تغريني بالجلوس والتمتع بما حولي ، من جمال آسر بديع .

        وحين أودعها ، أشعر بأنها ، تبتسم لي ، شاكرة وممتنة لتلك اللحظات الفرحة ، التي قضيتها بصحبتها ، وإن كانت بضع دقائق من الوقت !

  

لغة العواطف ( 2)

لغة خاصة!

********

كتبت منى الشافعي

**********

     أعتقد أن كل شيء في الطبيعة ، عنده إحساس ومشاعر إنسانية ، وله لغة خاصة يعبر بها عن هذه العواطف .

    أما حكاية هذه الشجرة الوارفة الممتدة ، التي تقع في السور الخلفي لبيتنا ، والتي أحببتها فكنت دائمة النظر إليها ، زاملتها ما يقارب الخمس سنوات . 

     بصراحة جذبني حد التأمل والتفكر ، هذين الغصنين اللذيّن ابتعدا عن الأغصان الأخرى التي تشكل تلك الشجرة الكبيرة  .

    اليوم اقتربت منهما ، فسمعت همساً ، يقول الهمس :

         - سأظل أقترب منكِ ، حتى لو انحنى جسدي أكثر وأكثر , أتدرين ، قربك جنتي  يا صاحبتي ؟

  

لغة العواطف ( 1)

التفاتة متأخرة !

*********

كتبت منى الشافعي 

***********

        ياااه .. يبدو أنني لم أنتبه ، غير هذه اللحظة - مع أنني كل "عصرية "ا أتناول كأس / مك الشاي في حديقتي الوارفة - التفت بقوة نحوهما ، فتحت الآيفون على الكاميرا ، وكانت هذه اللقطة الجميلة لهما !

اقتربت أكثر ، وأكثر ، 

كانت تهامسها : 

(سأظّل أقترب منك ، حتى لو انحنى جسدي أمتاراً ، فقربك جنتي ) !

 

 الحياة جميلة بكل تفاصيلها! 

*****************

 كتبت منى الشافعي

************

         في رحلتي الأخيرة إلى أميركا . وقبل العودة بيومين ، ذهبت إلى سوق الأحد ، الذي  امتلأ بالأكشاك والعربات التي تقدم الجميل والجذاب ، من المشغولات والأعمال اليدوية المتنوعة. 

          وبما أنني من عشاق الأعمال الخشبية ، فقد جذبتني الأعمال المعروضة بأناقة في أحد الأكشاك المتميزة بصناعة الخشب . اشتريت أكثر من قطعة أعجبتني ، من بينها ذلك الصندوق الخشبي الصغير الذي لا أدري كيف تعلّقت به وبهرني جماله ؟ولكن البائعة أخبرتني أن هذا الصندوق يراد له تعديل بسيط ، وأنها ستهتم بأن تنجزه مساء الغد ، على أن أدفع ثمنه عند التسلم.

     شكرتها ، وأخذت بقية مشترياتي الأخرى وذهبت ، وخاطري لم يتوقف عن التفكير في الصندوق الصغير الذي سحرني جماله.

* * *

      جاء الغد ، أطلّ مساؤه البلوري الجميل ، وذهبت ملهوفة لتسلم صندوقي المدلّل ، حين صافحني وجه المدام / البائعة أدركت أن هناك ما سيكدرني ويطفئ لهفتي ، وهذا ما حصل ، أخبرتني أن ظروف عملها وضيق الوقت لم يسمحا لها بتعديل/ تصليح الصندوق الصغير ، الساحر الذي تعلقت به .

* * *

       وقبل أن أرسم على وجهي ابتسامة مصطنعة ، وأشكرها وأمضي مع خيبتي ، فاجأتني وهي تمد إليّ علبة صغيرة ، مغلّفة بورق هدايا مزخرف ، تلتمع ألوانه الزاهية مع مغيب أشعة ذلك النهار . رددت بابتسامة خجلى: 

            - هذه هدية اعتذار بسيطة ، وكلي أسف لأنني لم أستطع أن أحقق طلبك ، وأنهي تصليح الصندوق الصغير الذي جذبك وشدَّ إعجابك ، أتمنى أن تعجبك هذه القطعة . 

انزرعت ابتسامة دهشة / فرحة على تقاطيع وجهي ، وأنا أفتح العلبة ، تذكرت أن الجمال زينة الحياة ، فبمجرد أن يلمح الإنسان الجمال في شيء ما ، ينبثق نور غريب من داخله يغطي المكان ، لأن الجمال بهجة للنفوس وراحة للعيون ، ومتعة مميزة ، والإحساس به أكثر من متعة . 

       هذا ما شعرت به وتذوقته ، حين صافحتني هذه الهدية الجميلة ، التي هي عبارة عن وعاء خشبي يحمل تشكيلات وتعرجات الشجرة التي صنع من جذعها . وهكذا أنستني هذه الهدية عشقي لذلك الصندوق الصغير.

     فالجمال لو تأملناه وفكرنا به ، لوجدناه يستريح في كل شيء من حولنا ، في الطبيعة ، الإنسان ، الحيوان ، وحتى الجماد.

فالحياة جميلة بكل تفاصيلها ، ودائما هناك مسحة جمال في كل شيء !